محمد بن عمر التونسي
278
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
وأنّ أعرابيّا من البادية وصف له الوقوف في السّمن البقرى ، فقال : أمرت بإحضار كثير من السمن البقرىّ ، وسخّن « 1 » على النار حتى ذاب ( 254 ) ذوبانا تامّا ، فنزّل « 1 » عن النار وترك إلى أن هدأ ، وصار يتحمّله الإنسان ، وربط لي حبل في سقف البيت ، وصار « 2 » طرفاه بيدىّ ، وأفرغ السمن في قصعة كبيرة ، وغسلت رجلىّ ، ووقفت في السّمن ، ومسكت « 3 » الحبل المذكور ، فكان معينا لي على طول الوقوف ، قال : فلم أشعر إلّا والسمن يسرى في جسمي كسريان الشمّ ، غير أنه أولا صعد « 4 » إلى ساقىّ ، ثم إلى ركبتىّ ، ثم إلى فخذىّ ، ثم سرى في النّصف الأعلى ، فصرت أحسّ « 5 » به يصعد في جسمي شيئا فشيئا حتى وصل إلى عنقي ، فأخذني دوار وغشى علىّ وكدت أسقط ، فتلقّانى الخدم ودثّرونى في ثيابي ، وأضجعونى على فراشي ، وأنا لا أشعر بشئ من ذلك ، فقلت نهارى كلّه وليلى كذلك ، ثم أفقت عند الصباح وأنا ناشط كأنما حللت من عقال « 6 » ، ورأيت أنه خرج منى عرق كثير كريه الرائحة . وبذلك شفاني اللّه . وأخبرني غير واحد أن أهل البادية كذا يفعلون ، حتى بلغ هذا الخبر مبلغ التواتر . ولكونهم يتعاطون السحر كثيرا يتداوون بالكتابة . وعندهم أناس مشهورون بذلك ، وأكثرهم شهرة [ ال ] فلّاتا .
--> ( 1 ) في الأصل : « وسخن » و « فنزل » بالبناء المجهول ، ولكن بغير تشديد فيهما . ( 2 ) في الأصل : وصارت . ( 3 ) كذا بدون همزة . ( 4 ) كذا بفتح العين في الأصل . ( 5 ) كذا بفتح الهمزة وهي صيغة عامية سبق استعمال الماضي منها . ( 6 ) كذا بضم العين .